الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

145

تفسير روح البيان

فيريد الآخرة ويسعى لها سعيها وهو الطلب بالصدق وهو مؤمن بان من طلبه وجده فأولئك كان سعيهم في الوجود مشكورا من الموجد في الأزل كُلًّا منصوب بنمد اى كل واحد من مريدى الدنيا ومريدى الآخرة نُمِدُّ اى نزيد مرة أخرى بحيث يكون الآنف مددا للسالف لا نقطعه وما به الامداد هو ما عجل لأحدهما من العطايا العاجلة وما أعد للآخر من العطايا الآجلة المشار إليها بمشكورية السعي هؤُلاءِ بدل من كلا وَهَؤُلاءِ عطف عليه اى نمد هؤلاء المعجل لهم وهؤلاء المشكور سعيهم مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ اى من معطاه الواسع الذي لا تناهى له لان العطاء اسم ما يعطى وهو متعلق بنمد ومغن عن ذكر ما به الامداد ومنه على أن الامداد المذكور ليس بطريق الاستيجاب بالسعي والعمل بل بمحض التفضل وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ اى دنيويا وأخرويا مَحْظُوراً ممنوعا عمن يريده من البر والفاجر بل هو فائض على البر في الدنيا والآخرة وعلى الفاجر في الدنيا فقط وان وجد منه ما يقتضى الحظر وهو الفجور والكفر : قال الشيخ سعدى أديم زمين سفرهء عام اوست * برين خوان يغما چه دشمن چه دوست پس پرده بيند عملهاى بد * هم أو پرده پوشد بآلاى خود وگر بر جفا پيشه بشتافتى * كي از دست قهرش أمان يا فتى انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ كيف في محل النصب بفضلنا على الحالية لا بانظر لان الاستفهام يحجب ان يتقدم عليه عامله لاقتضائه صدر الكلام اى انظر يا محمد بنظر الاعتبار كيف فضلنا بعض الآدميين على بعض فيما أمددناهم من العطايا الدنيوية فمن وضيع ورفيع ومالك ومملوك وموسر وصعلوك تعرف بذلك مراتب العطايا الأخروية ودرجات تفاضل أهلها على طريقة الاستشهاد بحال الأدنى على حال الأعلى كما افصح عنه قوله تعالى وَلَلْآخِرَةُ اى هي وما فيها أَكْبَرُ من الدنيا دَرَجاتٍ نصب على التمييز وهي جمع درجة بمعنى المرتبة والطبقة وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا وذلك لان التفاوت في الآخرة بالجنة ودرجاتها العالية لان ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض وفي التأويلات النجمية انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ من أهل الدنيا في النعمة والدولة وموافاة المراد ليتحقق لك انها من امدادنا يا هم وَلَلْآخِرَةُ اى أهل الآخرة أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا من أهل الدنيا لان مراتب الدرجات الأخروية وفضائل أهلها باقية غير متناهية ونعمة الدنيا وفضائل أهلها فانية متناهية : قال الحافظ في الجملة اعتماد مكن بر ثبات دهر * كين كار خانه‌ايست كه تغيير ميكنند فعلى العاقل تحصيل الدرجات الأخروية الباقية . وفي الحديث ( أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب ) أراد بذوي الألباب العلماء ألا يرى إلى قوله عليه السلام ( فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم ) وفي رواية ( كفضل القمر على سائر الكواكب ) وقد قال ابن عباس رضى اللّه عنهما في تفسير قوله تعالى وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ يرفع العالم فوق المؤمن بسبعمائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فبهذه الشواهد يتضح ان تفاوت درجات أهل الجنة بحسب تفاوت معارفهم الإلهية وعلومهم الحقيقة كما قال عليه السلام ( ان في الجنة مدينة من نور لم ينظر إليها ملك مقرب ولا نبي مرسل جميع ما فيها من القصور والغرف والأزواج